عبد الرحمن بدوي

244

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

الحركة والسكون - مراده أن الجسم لا يخلو من تعاقب الحركة والسكون عليه فيكون متحركا بعد أن كان ساكنا ، وساكنا بعد أن كان متحركا ، فإن هذا [ 47 ب ] هو الذي ينقضه في مطلوبه ، وهكذا فهمناه من ألفاظهم . وإذا كان مرادهم بذلك هو هذا ، كانت المقدّمة كاذبة ، فإن خصومهم لا يسلمون لهم أن كل جسم لا بدّ من أن تتعاقب عليه الحركة والسكون فإن السماء عندهم متحركة ، لم تكن غير متحركة ثم صارت متحركة ، والأرض عندهم غير متحركة ولم يكن ذلك بعد حركة . وبيانهم على ذلك هو أن قالوا إن تعاقب الحركة والسكون على جسم من الأجسام لا يكون إلّا بعد أن يكون ذلك الجسم فيه قوة وإمكان على قبول الأضداد وخلعها . والسماء على رأيهم ليست فيها قوة على خلع الحركة ووجود السكون ؛ وكذلك حال الأرض . فأمّا أنه ليس في هذه قوة على قبول هذين المتضادّين فقد بيّن عندهم في كتاب « السماء » وفي آخر « الكتب الطبيعية » . ومع هذا فإنه إذا تصفّحت مقدّمتهم بان كذبها ، وذلك أن العرض هو الذي يكون ويبطل من غير فساد الموضوع له وهو الذي يحتاج في وجوده إلى ما يوجد منه وهو الجسم ؛ والأعراض مفتقرة في وجودها إلى الأجسام ، وليست الأجسام هي التي تفتقر في وجودها إلى الأعراض . وإذا كان هذا هكذا لم يلزم أن يكون إذا كانت الأعراض محدثة أن تكون الأجسام محدثة . وإنما كان يلزم ذلك « 1 » لو كانت الأعراض مقوّمة لذات الجسم كالحيوان المقوّم « 2 » لذات الإنسان والنطق المقوّم له : فإن هذين إذا ارتفعا ارتفع بارتفاعهما الإنسان ، وإذا وجدا وجد بوجودهما الإنسان . فلو كانت الأعراض مقوّمة لذات الجسم ومأخوذة في معناه لقد كان للقول - بأنه إذا كانت محدثة لزم أن يكون الجسم محدثا - مساغ . فأما والأعراض ليس لها مدخل في وجود الجسم ، فلا يلزم « 3 » أن يكون إذا كانت الأعراض بحال ما أن يكون الجسم بتلك الحال . وأيضا فإنه لو سلّم لهم أن الجسم لا ينفكّ من الأعراض وسلّم لهم أن كل واحد من

--> ( 1 ) ص : إن لو ( ! ) . ( 2 ) ص : والمقوم . ( 3 ) ص : ما لا يلزم ( ! ) .